وأدرك الماجدة الصباح، ولم تنتهِ حكاياتها التي كانت ترويها عن بيروت في القاهرة. وأمام جمهور يعشق لبنان وبيروت، جاء ليرسل التحية عبر سفيرة السلام والمحبة والحرية ورفض الهزيمة. ماجدة الرومي، أتت وصدحت، وقالت أغنيتها وأدمعت ثم مشت وفي القلب حسرة محب على وجع الحبيبة.على مسرح ضخم، وفي مكان ضخم، وأمام قصر يحكي التاريخ بجمال وأناقة وبهاء، وقفت السيدة الكبيرة كما ملكات ذاك الزمن البهيّ، بفستانها الأبيض المليء بعطر وطيب، وقالت قبل أن تغنّي للحاضرين من الجمهور الآتي إليها من كل أرجاء مصر العربية، قالت: بيروت ستعود وتقوم. ليست المرة الأولى التي نقع فيها، ولن تكون الأخيرة، لكننا منذ الأزل وفي كل مرّة نقوم، ووجع بيروت وهي تحكيه لمحبيها، ذوّب على خديها دمعتين، وترك في حنجرتها غصّتين، وأطلقت بدل صرخة الرفض، صرختين.ثم حيّت مصر العظيمة، بأغنية وثانية وثالثة ورابعة. أما الأولى فكانت “على باب مصر” التي فيها اختصر كامل الشناوي بصوت أم كلثوم وألحان محمد عبد الوهاب، تاريخ مصر في مرحلة ذهبية، وعصر جمالها. ثم الثانية فكانت الإصرار على الخروج من الهزيمة بسلاح الأمل، وأغنية “ما دام أنا أملي معايا وبإيديا سلاح” التي كتبها عاصي ومنصور الرحباني بعد نكسة حرب حزيران عام 1967 ولحنها محمد عبد الوهاب. وثالثة كانت “سواعد من بلادي تحقق المستحيلا” وهي أيضاً من ألحان محمد عبد الوهاب، وشعر الأخوين رحباني. والرابعة كانت تحية منها وأغنيتها “يا مساء الخير يا مصر” من مروان خوري. أما الخامسة فكانت عندما اختتمت بقسم عبد الحليم حافظ الذي كان أقسم أن يفتتح كل حفلاته بها … هي “أحلف بسماها وبترابها.. ما تغيب الشمس العربية طول مانا عايش فوق الدنيا” التي كتبها عبد الرحمن الأبنودي، ولحنها بليغ حمدي. وهنا تظهر عروبة ماجدة التي تكررها باستمرار، وتقول كلنا وطن واحد من المحيط الى الخليج. هكذا تعلّمت من أبي في طفولتي، وهكذا قرأنا في الكتب والتاريخ والجغرافية. ولن تفرقنا الأيادي السود. لأننا أصحاب حق وفي قلوبنا إيمان.لم تكن هذه المرة كما المرات السابقة. فالأغاني، هي غير الأغاني. والموسيقى هي غير الموسيقى، والظروف غير الظروف. لكن الجمهور كان مضاعفاً، رغم الوباء والإحتياط الذي أخذته على عاتقها الشركة المنظمة. إلا أن التنظيم كان ممتازاً ومتقناً، بلا أي غلطة. كل شيء مدروس بدقة وعناية فائقة. تنقّل صوتها بين ألحان حليم الرومي وجمال سلامه وكمال الطويل وإحسان المنذر ونور الملاح ومروان خوري وغيرهم. مع أوركسترا القاهرة الفيلهارمونية الرائعة، بقيادة فنان كبير ومرهف هو المايسترو نادر عبّاسي. الذي قاد ومعه مئة عازف من مصر ولبنان، موسيقاه بكل شطارة وحرفية ومستوى رفيع. واستمتع الحاضرون بسهرة تمنّوا لو طالت وطالت ليستمعوا إلى كل أغاني الماجدة، التي كان واضحاً أنهم حفظوها من زمان. لكن ظلّت لحظة الإفصاح عن الوجع، هي اللحظة التي وقفت فيها الماجدة،لتعبّر عن وجع كبير قائلة :

 “تعوّدنا نفيق، نلملم دموع، نلملم شُهدا، نكنّس قزاز، ونكمّل الحياة؛ غريب قدَر هيدا الشعب اللبناني، بيندَبح بيندَبح، بيرجع بيوقَف، ولا يوم كسَر جناحه اليأس، ولا يوم؛ ولو بعد بدُّن يكمّلوا مليون سنة، إلنا حقّ بالسيادة، بالحُريّة، بالاستقلال؛ نحن مَنّا شعب برسم الموت، نحن خلقنا لنعيش حياة كريمة، ومنستحقّ كل أوسمة الحُريّة؛ بكرا أحلى، لأنّو بكرا نهارجديد، لأنّو الأمل نحن منصنعوا، نحن عملناه قبل، و نحن منعملوا بكرا؛ صحيح النّكبة أكبر من أي وقتٍ مضى، كبيرة كبيرة، صعبة كتير، بس بُكرا الله بيبعتلنا سلالم على هالخندق الغميق اللّي وقّعونا فيه صُنّاع الحروب، أشباح الظّلام، وطاويط اللّيل، سمّوهن متل ما بدكُن؛ بعرف إنوا هالسّلالم الله رح يبعتها، متل ما دايماً بيبعتها، حنطلع عليها، نطلع للشّمس، نطلع للنّور؛ خلقنا لنعيش، مش لنموت، و بعرف مش حيصير إلّا هيك، لأنّو الله مع كلّ حقّ، الله معنا، الله مع لبنان…”.

وكادت أن تفقد السيطرة على مشاعرها. عندما استدركت الأمر، وانطلقت تغني “يا بيروت، يا ستّ الدنيا يا بيروت”.. وغناها المصريون معها بكل حب وشوق.سيكون صعباً وصف اللحظة، بل كل لحظة من هذه السهرة التاريخية. لكنها الماجدة الرائعة، التي أينما حلّت، حلّ معها الحب والسلام. ولم يفت الصحافة المصرية أن تقدّم لها تحيتها، عندما كرّمتها صحيفة “الأهرام” المصرية العريقة، لمناسبة 145 سنة على تأسيسها. ومنحتها مفتاح الأهرام، وفي المناسبة ألقت السيدة اللبنانية العربية كلمة أسرت فيها المشاعر. حيث حضرت أسرة الصحيفة من كبيرها الى صغيرها، لترحّب بالسيدة الكبيرة. حضرت ماجدة الرومي، وكما في كل مكان تحضر فيه، تبهر الناس وتسحرهم، هي السيدة الجميلة قلباً وقالباً وروحاً… ماجدة الرومي، فخر لبنان والعرب وصوت الناس الى الناس. ما أجمل حضورها..

كلمة السيدة ماجده الرومي في حفل تكريمها في صحيفة “الأهرام المصرية” في القاهرة: أيها الكرام شرفٌ لي كبيرٌ أن أقفَ اليومَ على هذا الْمِنْبرِ الـمَهيبِ في جريدةِ “الأهرامِ” العريقةِ، لأقتَبِلَ باعتزازٍ تشريفَكُم بتكريمي، أنتمْ، أركانَ أعرقِ جريدةٍ عربيَّةٍ في شرقِنا العربيِّ،”الأهرامِ” التي أُجِلُّها وأفتخرُ بأصالةِ بَصمتِها الْمِصْريَّةِ العربيَّةِ، وأحترمُ هيبتَها ووَقارَها ورصانتَها ومِصْداقيَّةَ احترافيَّتِها، ودعمَها، مذُ كانتْ، لكلِّ فنٍّ جميلٍ وكلِّ فكرٍ خلَّاقٍ،وكلِّ حق…”الأهرامِ” التي ما فتِئَتْ منذُ مئَةٍ وستةٍ وأربعينَ عامًا، تحمِلُ إلينا، كلَّ صباحٍ، الشَّمسَ والياسَمينَ والقهوةَ وأخبارَ العالم، وتُواكِبُنا أنَّى كُنَّا، على دروبِ الحياةِ، حتَّى غدَتْ جليسةَ الأيَّامِ ورفيقَةَ مِشْوارِ العُمْر.

أيُّها الكرام،عَلاقتي بـ”الأهرامِ” أقدمُ وأغربُ ممَّا قد يتصوَّرُ البعض.فَجَدُّ أمِّي، الْمِصْرِيَّةِ ، كان محرِّرًا في “الأهرام” قبلَ نحوِ مئةِ عامٍ، اسمُه يوسُف حبيب، وكانَ يعيشُ يومَذاكَ وأُسرَتَه، في مَسْقِطِ رَأْسِه “شبرا”. ومن غَرائِبِ الصُّدَفِ أنَّ مؤسِّسَيِ “الأهرام”، سليم وبشارة تقلا، وُلِدا في البلدةِ التي أنا مِنْها: كَفَرْشيما الْمُطلَّةِ على المتوسِّطِ، المتَّكئةِ على كَتِفِ جَبلِ لبنانَ الأشمِّ، كأميرةِ الحكاياتِ الجميلة.هكذا عَرَفْتُ بلدتَنا كَفَرْشيما يومَ كانَ لبنانُ الحبيبُ وطنَ السَّلامِ والنُّورِ والعزِّ والبَرَكةِ والخيرِ، ومنارةً ساطعةً للثَّقافةِ والفنونِ الجميلة.نعم، هكذا  عَرَفْتُ لبنانَ، رغيدَ العيشِ، قبلَ أن يُصيبَنا ما لم نَحْسَبْ له حِسابًا ولا خَطَرَ على بالِ أبشعِ الكوابيس.